والسامع في هذه الآية هو الله، وهو لا يجوز عليه احتمال اللبس.
فإن قلت: إن العرب قد يغلب عليها استعمال لفظ فإذا غلب استعملوه وإن انتفى المطلوب به بأصل الوضع كما قال الكوفيون وجماعة من البصريين في قوله تعالى: {ألقيا في جهنم} . قالوا في ضمير التثنية هاهنا: إن العرب من عادتهم أن تكون رفقتهم ثلاثة فإذا أمر أحدهم، أمر صاحبيه فيقول: افعلا. فلما غلب ذلك صاروا يستعملونه في الجماعة والواحد لغلبته، فلم لا يجوز أن يكون هاهنا كذلك؟
قلت: لا نسلم الغلبة هاهنا، بل لا نسلم التساوي، إذ الغالب في كلامهم عدم البلد. والجواب عن هذا الإشكال ما تقدم في قوله عز وجل حكاية عن موسى عليه السلام -"هي عصاي"- الآية. وإنه إنما أتى بذلك تكثيرًا لسبب الأنس وتشرفًا بالمناجاة.
قوله عز وجل: {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى} (20: 88)
اختلف في فاعل"فنسي". قيل موسى عليه السلام، أي تركه موسى وذهب للمناجاة. وقيل السامري، أي نسي دينه الذي كان عليه.
والنسيان في أصل اللغة هو الترك، سواء اقترنت به غفلة أو لم تقترن، لكنه غلب استعماله مع الغفلة. وكذلك البشارة. أصلها الخبر الذي يغير بشرة الوجه، ثم غلبت في الخبر بالخير.
قوله عز وجل - في حق السامري -: {وإن لك موعدا لن تخلفه} (20: 97)
فيه إشكال، لأن الله تعالى هو الذي وعده بالعقاب. والإنسان لا يخلف وعد غيره، وإنما يخلف وعد نفسه، فقوله:"لن تخلفه"مشكل.
والجواب: أن"افعل"في اللغة تستعمل على ثلاثة أوجه، لمن صدر عنه الفعل، نحو: أكرم وأقسم، ولمن صبر الفاعل يفعل، نحو: اضربه إذا صيره يضرب، وأخرجه عنه: إذا صيره يخرج، ولمن وجد الشيء على حالة نحو: أحمدته: إذا وجدته محمودًا، وأذممته: إذا وجدته مذمومًا. ومنه أخلفته: إذا وجدته مخلفًا. فقوله:"لن تخلفه"أي: لن تجده مخلفًا
قوله عز وجل: {إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} (20: 104)