(كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً) أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا؛ والضمير في الفعل إما للآلهة، أي ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه لأنها عند أن عبدوها جمادات لا تعقل ذلك، وإما للمشركين، أي سيجحد المشركون أنهم عبدوا الأصنام. ويدل على الوجه الأول قوله تعالى: (ما كانوا إيانا يعبدون) وقوله: (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) ويدل على الوجه الثاني قوله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين) .
قرئ كُلاًّ بضم الكاف والتنوين، وهي بمعنى جميعاً، وبالفتح مصدر أي كل هذا الرأي كلا والأصوب أنها حرف ردع وزجر والمعنى تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزاً لهم ضداً عليهم، أي ضداً للعز، وضد العز الذل، هذا على الوجه الأول. وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون للآلهة ضداً وأعداء
يكفرون بها بعد أن كانوا يعبدونها ويحبونها ويؤمنون بها.
قال ابن عباس: عليهم ضداً أعواناً وحسرة، وإنما وحد الضد وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين إما لأنه مصدر في الأصل، والمصادر موحدة مذكرة، وإما لأنه مفرد في معنى الجمع.
(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين: أحدهما أن معناه خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) الوجه الثاني: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً) فمعنى الإرسال هنا التسليط، ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) .
ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية وهو قوله: (تؤزهم أزاً) فإن الأز والأزيز والهز والهزيز والاستفزاز أخوات معناها التحريك والتهييج وشدة الإزعاج فأخبر الله سبحانه أن الشياطين تحرك الكافرين وتهيجهم وتغريهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، وذلك هو التسليط لها عليهم.