الدنيا، ووجاهةً عند الناس، وتوسعاً في المعيشة {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} ؛ أي: مجلسًا ومنصبًا وحكمًا، فقال تعالى في جوابهم {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} ؛ أي: أهلكنا بحب الدنيا ونعيمها، إذ أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} ؛ أي: استعدادًا واستحقاقًا في الكمالات الدينية منكم، كما قال - عليه الصلاة والسلام -"خياركم في الإِسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا"اهـ.
75 -ثم أمر سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجيب هؤلاء المفتخرين بالمال والمنال بقوله: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقامًا، وأحسن نديًا {مَنْ} شرطية {كَانَ} مستقرًا {فِي الضَّلَالَةِ} ؛ أي: في الكفر والجهل والغفلة عن عواقب الأمور {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} أمر بمعنى الخبر؛ أي: يمد له الرحمن، ويزيده في شهواته، ويمهله بطول العمر، وإعطاء المال، والتمكين من التصرفات؛ أي: يمد له الرحمن مدًا، ويزيده في المال زيادةً، ويمهله في العمر إمهالًا، استدراجًا له وقطعًا للمعاذير يوم القيامة.
وإخراجه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يُفعل بموجب الحكمة، لقطع المعاذير، أو للاستدراج، واعتبار الاستقرار في الضلالة، لما أن المد لا يكون إلا للمصرين عليها، إذ رب ضال يهديه الله، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكام الرحمة الدنيوية.
وذكر الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعًا اهـ شيخنا. وقيل: المراد بالآية الدعاء بالمد، والنفيس، قال الزجاج: تأويله أن الله سبحانه جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمده فيها؛ لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان المتكلم يقول: أفعل ذلك وآمر به نفسي. انتهى.