وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ"ذَكِّر رحمةَ"بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و"عبدَه"نصب ب"الرحمة"التقدير ذكر أن رحم ربك عبده"، ومن قال في الكلام تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور"زكرياء"بالمد ، وقرأ الأعمش ويحيى وطلحة"زكريا"بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله {نادى} معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى"إخفائه"هذا النداء ، فقال ابن جريح ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء ، ومنه قول النبي عليه السلام"خير الذكر الخفي"وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر ، وفي"الدعاء"الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء {زكرياء} وطلبه فكان في أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاوه لئلا يلومه الناس في ذلك ، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك ، ويقال وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. و {وهن} معناه ضعف ، والوهن في الشخص أو الأمر الضعف وقرأ الأعمش"وهِن"بكسر الهاء {واشتعل} مستعارة للشيب من اشتعال النار على التشبيه به."
و {شيباً} نصب على المصدر في قول من رأى {اشتعل} بمعنى شاب ، وعلى التمييز في قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلاً آخر ، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحماً وامتلأت غيظاً. وقوله {ولم أكن بدعائك رب شقياً} شكر لله تعالى على سالف أياديه عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: {وإني خفت الموالي} الآية ، اختلف الناس في المعنى الذي من أجله خاف {الموالي} ، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك ، وروى قتادة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال