التنبيه على عظم الأمر المدعو له وعلو شأنه وإظهاره، حتى كأن المنادى مقصر فيه غافل عنه مع شدة حرصه على الامتثال، كما في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (المائدة: 67) أن يكون المنادى نائمًا أو ساهيًا، فيكون كلٌّ من النوم والسهو بمنزلة البعد الذي يقتضي علو الصوت، كقولك: هيا عمر استيقظ، أيا خالد تنبه، الإشعار بغفلة المنادى عن الأمر العظيم الذي يقتضي اليقظة والانتباه، كقولك: هيا فلان تهيأ للحرب. ويأتي أسلوب النداء مفيدًا لمعان بلاغية كثيرة، تفهم من السياق وقرائن الأحوال؛ من ذلك الإغراء وهو الحث على طلب الأمر الذي ينادى له، كقولك لمن يتظلم: يا مظلوم تكلم، فأنت تريد بهذا النداء إغراءه وحثه على بث الشكوى وإظهار التظلم.
{يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) }
ومن تنكير المسند إليه لإفادة التقليل قوله تعالى على لسان إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} (مريم: 45) فقد جاء المسند إليه: {عَذَابٌ} منكرًا لإفادة التقليل؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - إذا كان يروعه أن يمس أباه قدر ضئيل من العذاب فكيف بالكثير الجسيم؟!
وإلى هذا ذهب الزمخشري معللًا إرادة التقليل بأن إبراهيم - عليه السلام - لم يخلِ الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث إنه لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به، ولكنه قال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} فذكر الخوف والمس ونكَّر العذاب، وذهب بعض البلاغيين منهم السكاكي إلى جواز إرادة التهويل والتعظيم من هذا التنكير، ومع أن النكات البلاغية لا تتزاحم فإن ما ذهب إليه الزمخشري أدق وألطف لمناسبته الواضحة للمقام.
إلى غير ذلك من الأغراض التي تقتضي تنكير المسند إليه كأن يمنع من تعريفه مانع كما في قول الشاعر:
إذا سئمت مهنده يمين ... بطول الحمل بدله شمالًا