وفي قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى عليه السلام: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ} ، قالوا: إن تنكير السلام في قصة يحيى عليه السلام؛ لأنه وارد من جهة الله تعالى، أي سلام من جهة الله مغن عن كل تحية، ولهذا لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرًا كقوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ، وقوله: {اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} ، وقوله: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ} ، وقوله: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} ، وأما تعريف السلام في قصة عيسى عليه السلام؛ لأنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، وفي تعريفه معنى آخر هو الدعاء، وطلب السلامة؛ لأن السلام اسم من أسمائه سبحانه، وقالوا: إنك إذا ناديت الله مخلصًا باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه هذا الاسم، تقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال المغفرة يا غفور، وفي سؤال الرحمة يا رحيم، وفي سؤال العفو يا عفو.
{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ (45) }
قالوا: والتنكير في قوله تعالى في حكاية حديث إبراهيم عليه السلام لأبيه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ (45) }
يفيد التعظيم والتهويل أي: أخاف أن يمسك عذاب هائل لا يكتنه، ولا يضايق هذا المعنى ذلك المسر؛ لأن المس جاء في القرآن مع العذاب المحيط، والعذاب العظيم، قال تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، كما لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن من حيث إن ذكر الوصف المشعر بالرحمة الشاملة يجعل المعنى أنه عذاب قليل؛ لأنه جاء من قبل الرحمن الرحيم، لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن؛ لأن عذاب الحليم قد يكون أنكى، وغضبه قد يكون أعتى، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أعوذ بالله من غضب الحليم".
وهذا الذي قلته في الآية هو كلام البلاغيين غير الزمخشري؛ لأنه لحظ فيها معنى آخر ذا مسلك أدق وألطف، وذلك؛ لأن سيدنا إبراهيم كما قال: لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به لا محالة، بل إنه قال: أخاف، ولم يقل سيمسك، ثم ذكر المس، وهو أقل تمكنا من الإصابة، ونكر العذاب للتقليل، ثم ذكر به باسم الرحمن، وهذا أقر إلى طريقة حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه فيه مواضع أخرى من الكتاب العزيز.
{كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) }