وأما ثالثا فلأنه ثبطه عما كان عليه ونهاه عنه، فقال إن الشيطان الذي عصى ربك وكان عدوا لك ولأبيك آدم، هو الذي أوقعك في هذه الحبائل، وورطك في هذه الورط وألقاك في بحر الضلالة، وإنما خص إبراهيم ذكر معصية الشيطان لله تعالى في مخالفته لأمره واستكباره، ولم يذكر عداوته لآدم وحواء، وما ذاك إلا من أجل إمعانه في نصيحته فذكر له ما هو الأصل تحذيرا له عن ذلك وعن مواقعته، وأما رابعا فلأنه خوفه من سوء العاقبة بالعذاب السرمدى، ثم إنه لم يصرح له بمماسة العذاب له إكبارا له، وإعظاما لحرمة الأبوة، ولكنه أتى بما يشعر بالشك في ذلك تأدبا له فقال له: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
ثم إنه نكر العذاب تحاشيا عن أن يكون هناك عذاب معهود يخاف منه، كأنه قال وما يؤمنك إن بقيت على الكفر أن تستحق عذابا عظيما عليه، وأما خامسا فلأنه صدر كل نصيحة من هذه النصائح بذكر الأبوة، توسلا إليه بحنو الأبوة واستعطافا له برفق الرحمية، ليكون ذلك أسرع إلى الانقياد، وأدعى إلى مفارقة ما هو عليه من الجحود والعناد، فلما سمع كلامه هذا وتفطن لما دعاه إليه، أقبل عليه بفظاظة الكفر، وجلافة الجهل، وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم يقل يا بنى كما قال إبراهيم، يا أبت، إعراضا عن مقالته وإصرارا على ما هو فيه، ثم إنه قدم خبر المبتدأ بقوله: (أَراغِبٌ أَنْتَ) [سورة مريم: 45] اهتماما بالإنكار وتماديا في المبالغة في التعجب عن أن يكون من إبراهيم مثل هذا، فانظر ما بين الخطابين من التفاوت في الرقة والرحمة وحسن الاستدراج، فلله در الأنبياء! فما أسجح خلائقهم، وأرق شمائلهم، وفي القرآن سعة من هذا، ومملوء من حسن الحجاج والملاطفة، خاصة لمنكري المعاد الأخروي، وعبادي الأوثان والأصنام، فإن الله تعالى نعى عليهم فعالهم، وسجل عليهم، فانظر إلى حجاجه لمنكري البعث بقوله: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ) [سورة يس: 78] كيف أفحمهم بالإلزامات، وإلى حجاجه لعباد الأصنام بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) [سورة الحج: 73] إلى آخر الآية ولولا أنه يخرجنا عن المقصد الذي تصدينا له لذكرنا فيه أمثلة رائقة ونبهنا فيه على أسرار بديعة.
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ ...(46)