ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. قال أبو جعفر: وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق، قال الكسائي: لننزعنّ واقعة على المعنى كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام، ولم يقع لننزعن على أيّهم فينصبها. وقال الفراء: المعنى ثم لننزعن بالنداء. ومعنى لننزعن لننادين إذا كان معناه لننزعن بالنداء. قال أبو جعفر: وحكى أبو بكر بن شقير أنّ بعض الكوفيين يقول:
في أيّهم معنى الشرط والمجازاة، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها، والمعنى ثم لننزعن من كلّ فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا كما تقول: ضربت القوم أيّهم غضب، والمعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا، فهذه ستة أقوال، وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال: أيّهم متعلّق بشيعة فهو مرفوع لهذا، والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا
أيهم، أي من الذين تعاونوا فنظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيا. وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي: إنّ التشايع التعاون، «عتيا» على البيان.
[سورة مريم (19) : الآيات 71 إلى 72]
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} قد ذكرنا فيه أقوالا: قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة قالوا: يا ربنا إنك وعدتنا أن نرد النار، فيقال لهم: إنكم وردتموها وهي خامدة.
قال أبو جعفر: ومن أحسن ما قيل فيه، أعني في الآية أن المعنى: وإن منكم إلّا وارد القيامة لأن الله جلّ وعزّ قال في المؤمنين: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء: 108] ، وقال جلّ ثناؤه: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} * [المائدة: 69 والأنعام: 48] ودلّ على أنّ المضمر للقيامة {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} فالحشر إنما هو في القيامة ثم قال جلّ وعزّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا} واسم كان فيها مضمر أي كان ورودها. فأما {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} فالإضمار للنار لأنها في القيامة فكنى عنها لمّا كانت فيها. وهذا من كلام العرب الفصيح الكثير. وقرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} بفتح الثاء، وقرأ ابن أبي ليلى ثمة: