استمع صاحبه إلى هذا الإنكار للساعة، وإلى هذا الفهم السيئ للأمور، فقال له وهو يحاوره: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدً} (الكهف: 37، 38) إلى آخر ما ذكر هذا الرجل الصالح، وعلينا أن نتوقف عند هذا الحوار:
أولًا: تلحظون معي أن الله -سبحانه وتعالى- سمى هذا الرجل صاحبًا، ومعنى ذلك أنه ملازم له يريد إصلاحه والأخذ بيده، وهذا شأن الدعاة الناصحين، ألا يتخلوا عن العصاة والمذنبين والمنحرفين، عليهم أن يكونوا معهم وبجانبهم، يأخذون بأيديهم إلى طريق الصواب، ثم في قوله: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} (الكهف: 34) .
وهذه المحاورة أشار إليها القرآن في الآية السابقة في قوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} (الكهف: 34) فيبدو أن هذه المحاورة التي كانت بين الرجلين، كانت محاورة القصد منها الوصول إلى الحقيقة، وإن كان الرجل الكافر ما زال معتزًا بماله ونفره وحشمه وخدمه،
لكن الرجل المؤمن وهو يحاور هذا الكافر يقول له متسائلًا: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} (الكهف: 37) .
فأشار بقوله: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} إلى ما كان من أمر آدم -عليه السلام- ونحن قد ذكرنا أن الرجلين كانا من بني إسرائيل، وهما يعلمان أن الله خلق آدم من تراب، فلم يكن آدم موجودًا فالذي أوجده هو الله، وأوجده لغاية نبيلة عظيمة، هي أن يكون خليفة في هذه الأرض، وليكون أبناؤه من بعده خلفاء، يحكمون بشرع الله وهدي الله، ويعبدون الله سبحانه وتعالى، كما قال -عز من قائل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَاقُ ذُوُ الْقُوَةِ الْمَتِين} (الذاريات: 56، 57) .