عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفِهْرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فَتًى كَانَ عَلَى عَهْدِ الْحَسَنِ, وَكَانَ مُفَرِّطًا فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْرِيطِهِ أَخَذَهُ اللَّهُ بِالْمَرَضِ أَخْذَةً شَدِيدَةً, فَلَمَّا آلَمَهُ الْوَجَعُ نَادَى بِصَوْتٍ مُنْكَسِرٍ مَحْزُونٍ: إِلَهِي وَسَيِّدِي أَقِلْ عَثْرَتِي وَأَقِمْنِي مِنْ صَرْعَتِي, فَإِنِّي لا أَعُودُ. فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ صَرْعَتِهِ فَرَجَعَ إِلَى أَشَدَّ مِمَّا كَانَ فيه, فأخذه الله أخذة ثالثة فَقَالَ إِلَهِي أَقِلْنِي عَثْرَتِي وَأَقِمْنِي مِنْ صَرْعَتِي فَإِنِّي لا أَعُودُ أَبَدًا, فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ صرعته فرجع إلى أشد مما كان, فبينما هُوَ مَارٌّ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ يَضْرِبُ بِأَرْدَانِهِ وَيَنْظُرُ فِي أَعْطَافِهِ فَقَالَ: يَا فَتَى خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ فَإِنَّا أَحْدَاثٌ نُرِيدُ أَنْ نَذُوقَ الدُّنْيَا. فَقَالَ الْحَسَنُ: كَأَنَّكُمْ بِالْمَوْتِ قَدْ نَزَلَ بِسَاحَةِ هَذَا الشَّابِّ فَرَضَّهُ رَضًّا. فَبَيْنَمَا الْحَسَنُ فِي مَجْلِسِهِ إِذْ أَقْبَلَ أَخُو الْفَتَى إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ الْفَتَى الَّذِي كُنْتَ تَعِظُهُ هُوَ أَخِي, وَقَدْ وَقَعَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَغُصَصِهِ.
فَقَالَ الْحَسَنُ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا نَنْظُرُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أَقْبَلَ الْحَسَنُ قَرَعَ الْبَابَ فَقَالَتْ أُمُّهُ مَنْ بِالْبَابِ؟ فَقَالَ: الْحَسَنُ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِثْلُكَ يَأْتِي إِلَى مِثْلِ وَلَدِي! أَيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُ عَلَى بَابِ وَلَدِي وَوَلَدِي لَمْ يَتْرُكْ ذَنْبًا إِلا رَكِبَهُ وَلا مُحَرَّمًا إِلا انْتَهَكَهُ. فَقَالَ: اسْتَأْذِنِي لَنَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ربنا سبحانه يقيل العثرات.