فالجواب: أنه لما وُصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف به الناس، فيقال: للآدمي معاش، ولا يقال: للفرس معاش، جرت مجرى الناس، كما قال: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ، وقال: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ، وقال: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، وإِن قلنا: أُريدَ به العبيد، والوحوش، فإنه إِذا اجتمع الناس وغيرهم، غُلِّب الناس على غيرهم، لفضيلة العقل والتّمييز.
(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)
قوله تعالى: (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)
قال فيه سيبويه والخليل: هو توكيد بعد توكيد.
وقال المبرد: «أجمعون» يدل على اجتماعهم في السجود، فالمعنى: سجدوا كلُّهم في حالة واحدة.
قال ابن الأنباري: وهذا، لأن «كلاًّ» تدل على اجتماع القوم في الفعل، ولا تدل على اجتماعهم في الزمان.
قال الزجاج: وقول سيبويه أجود، لأن «أجمعين» معرفة، ولا تكون حالاً.
قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ(35)
قال ابن الأنباري: وإِنما قال: إِلى يَوْمِ الدِّينِ لأنه يوم له أول وليس له آخر، فجرى مجرى الأبد الذي لا يفنى، والمعنى: عليك اللعنة أبداً.
قوله تعالى: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف نصب «إِخواناً» على الحال، فأوجب ذلك أن التآخي وقع من نزع الغِلِّ وقد كان التآخي بينهم في الدنيا؟
فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: ما مضى من التآخي قد كان تشوبه ضغائن وشحناء، وهذا التآخي بينهم الموجودُ عند نزع الغِلِّ هو تآخي المصافاة والإِخلاص، ويجوز أن ينتصب على المدح، المعنى: اذكر إِخواناً.
فأما السرر، فجمع سرير، قال ابن عباس: على سرر من ذهب مكلَّلة بالزبرجد والدُّرِّ والياقوت، السرير مثل ما بين عدن إِلى أيلة، مُتَقابِلِينَ لا يرى بعضهم قفا بعض، حيثما التفت رأى وجهاً يحبه يقابله.