أيها الأحبة عباد الله، لقاءنا اليوم بعون الله تعالى وتوفيقه مع سورة الحجر، وهي سورةٌ من السور المكيّة التي نزلت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] ، سماها الله تبارك وتعالى بهذا الاسم، الحجر، والحجر مأخوذٌ من الحجر والمنع [2] ، وللكعبة حجر يقال له: حجر الكعبة [3] ، ويقول بعض الناس: حجر إسماعيل [4] ، وهذا مكانٌ كانت العرب تلقي بسيوفها فيه إعلاناً لوقف القتال والحرب بينهم، وحقن الدماء فيما بينهم، فسمي حجراً لأنه إعلانٌ لمنع القتال، وفي القرآن حجرٌ آخر في قول الله تبارك وتعالى:"هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ"، والحجر في سورة الفجر إنما هو العقل، أي فيما أقسمت به في قولي"وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ"مقنعٌ لذي عقلٍ،"هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ"وذلك لأن العقل يمنع صاحبه مما لا ينبغي فعله، يقول له عقله: لا ينبغي لك هذا، ولا يليق بك هذا، فيمنعه عن فعل ما يشينه [5] ، أما الحجر الذي في سورة الحجر - سورتنا المباركة - إنما هو اسمٌ على ديار ثمود [6] ، قوم ثمود المقترنين كثيرًا في القرآن بقوم عاد، والذين بعث الله إليهم نبيه صالحاً عليه السلام، أصحاب الناقة هم أصحاب الحِجر، والحِجر اسمٌ للمكان الذي كانت فيه ديارهم، ولعله وادٍ سحيق بين جبال تدور حوله، وتحيط به من كل مكان، فهو يمنعهم من عدوهم بهذه الجبال ويحميهم من خصومهم، ولذلك كانوا يأخذون على أطراف الجبال بيوتًا، ويتخذون وينحتون في تلك الجبال بيوتًا، آمنين وفارهين؛ يأمنون فيها حيث إنّهم في علوّ، ومن هاجمهم يكون أسفل، كذلك يأخذونها ويتخذونها للرفاهية والنزهة، فكانت قوماً شداداً أقوياء، ينحتون من الجبال بيوتاً، لك أن تتخيل مدى القوة التي كانت لديهم، والإمكانات التي كانت عندهم لينحتوا بيوتاً وقصوراً في الجبال وفي قممها، ومع ذلك أهلكهم الله تبارك وتعالى بصيحة، صاح فيهم ملكٌ بصوتٍ شديدٍ رهيب، فخروا جميعاً صاعقين أو مصعوقين وميتين، فما مثلوا بقوتهم أمام قوة الله شيئاً، فماذا أنتم فاعلون يا أهل مكة، وماذا أنتم فاعلون يا كفار هذه الأمة،