وفي قوله: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] إشارة إلى أنه تعالى أعطى الإنسان في الأزل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفييض الإلهي وهو قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ثم للابتلاء رده إلى أسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الأسباب التي تخرجه من {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] وتصعده إلى أعلى عليين فإذا أمعنت النظر في هذه الآيات رأيت أن العالم بما فيه خلق تبعاً لوجود الإنسان، وسبباً لكماليته كما أن الشجرة خلقت تبعاً لوجود الثمرة وسبباً لكماليتها فالإنسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات، فافهم جدّاً.
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} لأن نعمته على الإنسان قسمان: قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا أنها خلقت لاستكمال الإنسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لأن فوائدها عائدة إلى الإنسان إلى الأبد وهي غير متناهية فلا يحصى عدها.
وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضاً غير متناهية فلا يحصى عدها.
وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضاً غير متناهية {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ} لنفسه بأن يفسد هذا الاستعداد الكامل بالإعراف عن الحق والإقبال على الباطل {كَفَّارٌ} لنعم الله إذا لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعدما كانت نعمة من ربه.