وبقوله: {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [إبراهيم: 2] يشير إلى أن سير السائرين إلى الله لا ينتهي بالسير في الصفات وهي العزيز الحميد، وإنما ينتهي السير في الذات وهو الله فالمكونات أفعاله، فمن بقي في أفعاله فلا يصل إلى صفاته، فمن بقي في صفاته لا يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته وصولاً بلا اتصال ولا انفصال بل وصولاً بالخروج عن أنانيته إلى هويته تعالى يبقى به في صفاته وأفعاله، ثم قال: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} هو شدة ألم الانقطاع عن الله والبعد عنه.
ثم وصفهم ليعلم أن الكافر الحقيقي من هو ولا يرضى العبد باسم الانقطاع ولا يقنع بالإيمان التقليدي فقال: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 3] بالجد والاجتهاد في طلب الدنيا وشهواتها وترك الآخرة بإهمال السعي في طلبها، واحتمال الكفلة والمشقة في مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع في تربية القلب والسير إلى الله {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ويصرفون وجوه الطالبين عن طلب الله، ويقطعون عليهم طريق الحق في صورة النصيحة، ويلزمون الطلاب على ترك الدنيا والعزلة والغربة والانقطاع عن الخلق للتوبة إلى الحق {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: ويطلبون الآخرة بالاعوجاج عن طريقهما {َأُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: طلوا عن طريق الحق وبعدوا عنه.