فلما صمُّوا آذانَهم عن داعي هذه الآيات، وعَمُوا فيها عن الهدى والحق - ذَهَبوا يتخبَّطون في غرورِهم واستكبارهم وغيِّهم، يقدِّسون الطبيعة والمادَّة، يتَّخِذونها ومجاليها ومظاهرَ جمالِها - زعموا - أربابًا وآلهةً من دون الله، ويَعبُدُونَها من كلِّ قلوبهم الكافرة الفاجرة، ويَدْعُون إليها دعوةً حارَّة بألسنتهم وأقلامِهم، ويزعمون - في وقاحةٍ وفجورٍ - أنه ما أخَّر الإنسانيةَ وقَعَد بها عن الرقي على معارجِ مَدَنيَّتِهم الكاذبة الفاجرة، وأنه ما غلَّها وقيَّدها بالأغلال الثقيلة، وقَعَد بها عن النهوضِ والتقدم؛ إلا الإيمانُ بالله وحدَه، والإيمان بالدار الآخرة.
ذَهَبوا يُوغِلُون في الوقاحةِ، ويُبَالِغُون في الفجورِ، فيزعمون أن الإنسانيةَ في عهود الوثنيةِ وعبادةِ الأصنام كانت أرقى منها في عهودِ الإيمان بالله، وإخلاصِ توحيده وعبادته ابتغاءَ رضوانِه ومَثُوبَتِه وحسن جزائه؛ فويلٌ ثم ويلٌ لهؤلاء الذين كَفَروا بالله وآياتِه وسننِه وشرائعِه وكتبِه
ورسلِه - من النار، بل ويلٌ لهم ثم ويلٌ لهم مما يُذِيقُهم اللهُ في هذه الحياة على أيدي أوثانِهم الطبيعية من ألوان العذاب والنَّكالِ والشقاء، وليَعلَمُنَّ نبأَه بعد حينٍ.
بلى قد عَلِموه، ولكنهم في ضلالِهم يَعمَهُون، وفي غيِّهم يتخبَّطون كالذي يتخبَّطه الشيطان من المسِّ، فإنهم يأكلون ويتمتَّعون كما تأكل الأنعام، بل الوحوش الكاسرة، بل هو شرٌّ من الوحوشِ الضَّارِية، والنارُ مثوًى لهم:
{إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود: 38، 39] .