والذين اضْطهِدوافي دينهم ؛ وقام الكفار بتعذيبهم ؛ لم يُفْتَنوا في الدين ؛ فكلما قَسا عليهم الكفار ضَرْباً وتعذيباً كلما تذكروا حنانَ الحقِّ فتحمّلوا ما يذيقهم الكافرون من عذاب .
وحُسْن الجزاء قد يكون في الدنيا التي يُثبَّت فيها المؤمن بمشيئة الله ؛ وهي بنت الأغيار وبنت الأسباب ؛ فأنت في الدنيا تحوز على أيِّ شيء بأن تتعبَ من أجل أنْ تحصلَ عليه ، وتكِدّ لتتعلم ؛ وتعثر على وظيفة أو مهنة ؛ ثم تتزوج لِتُكوِّن أُسْرة ؛ وتخدُم غيرك ؛ ويخدُمك غيرك ، وتزاول كل أسبابك بغيرك ؛ فأنت تأكل مما تطبخ زوجتك ، أو أمك أو مَنْ تستخدمه ليؤدي لك هذا العمل .
باختصار كلما ارتقيتَ ؛ فأنت ترتقي بأثر مجهود ما . وكُلّ متعة تحصل عليها إنما هي نتيجة لمجهود جَادٍّ منك ؛ وأنت تحاول دائماً أن تُقلِّل المجهود والأسباب لتزيد من متعتك .
فَما بالُكَ بالآخرة التي لا تكليفَ ولا أسبابَ فيها ؛ وكل ما فيها قد جهَّزه الحق تعالى مقدّماً للإنسان ؛ ثواباً إنْ آمنَ ، وعذاباً إنْ كفر وعصى ، وإنْ كنتَ مؤمناً فالحق سبحانه يُجازيك بجنة عَرْضها السماوات والأرض ؛ فيها كُلُّ ما تشتهي الأنفس .
وإذا كان الحق سبحانه يُثبِّت الذين آمنوا في الدنيا بالقول الثابت الحق فتثبيتُه لهم في الآخرة هو حياةٌ بدون أسباب .
ونجده سبحانه لم يَقُلْ هنا: الحياة الآخرة ، بل قال:
{فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة ...} [إبراهيم: 27] .
ذلك أن الارتقاءات الطُّموحية في الحياة تكون مناسبة للمجهود المبذول فيها ، ولكن الأمرَ في الآخرة يختلف تماماً ؛ لأن الحق سبحانه هو الذي يُجازي على قَدْر طلاقة مشيئته ، وهو يُثبِّتهم بداية من سؤال القبر ونهايةَ إلى أن يَلْقوا الثواب على حُسْن ما فعلوا من خير في سبيل الله .
وما دام الحق سبحانه قد ذكر هنا التثبيتَ في الحياة الدنيا والآخرة ؛ فلا بُدَّ أن يأتي بالمقابل ، ويقول: