ونُرجِئ إلى العددِ القادمِ بقيةَ الكلامِ، وفي تفسيرِ هذه الآيةِ وتطبيقِها على أحوالِنا وشؤونِنا، فقد طال بنا الحديثُ في هذه الآيةِ لشدَّة حاجةِ الناس إلى فهمِها على وجهِها؛ لأن أكثرَهم قد التقم الشيطانُ قلوبَهم بخرطومِه، فنَفَث فيها من الغَي والضلال والشركِ ما تنطقُ به أعمالُهم وأحوالُهم وأحكامُهم، لعلَّ الله أن ينفعَ بما نكتبُ؛ إنه ولي التوفيق.
• بقيَّة الآية (18) ، وهي قولُه - تعالى ذكره: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] .
{لَا يَقْدِرُونَ} : القدرة: اسم للهيئة التي يتمكَّن الإنسانُ من فعلِ ما يشاءُ على ما ينبغي من الإحسانِ والحكمةِ؛ فالقادر: الذي له من الاختيارِ والعلمِ والفهمِ، وحسنِ التدبير والإتقانِ ما يقدرُ به مواقعَ أعمالِه وعواقبَها ونتائجَها في العاجلِ والآجلِ، فيضعُ كلَّ عملٍ في موضعِه اللائقِ به على الوجه الذي يثمرُ به هذا العملُ ثمرتَه، وينتجُ نتيجتَه المطلوبة للعامل.
فعلى هذا يكونُ المعنى: إن الذين كَفَروا باللهِ وكتابِه ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - ونعمِه في أنفسِهم وفي الآفاقِ؛ بانسلاخِهم من هذه الآياتِ والنعمِ التي ميَّزهم الله بها عن الحيوانِ، وفضَّلهم بها على كثيرٍ ممن خلَق تفضيلاً - قد فَقَدوا كلَّ الأسبابِ الآلية والعلمية التي بها يَفهَمون الأعمالَ والعباداتِ، ويقدرونها قدرَها، ويَعرِفون عواقبَها ونتائجَها في الدنيا والآخرةِ، فهم إنما يتحرَّكون فيما يَكتَسِبون من الأعمالِ - وما يَزعُمُونه عباداتٍ - حركاتٍ آليةً صمَّاءَ، ليست صادرةً عن إنسانيةٍ عاقلة تقدرُ وتفهمُ، حيث لا حكمةَ عندهم، ولا عقلَ لهم يميِّزون به حسَنَ الأعمالِ من سيِّئها، ولا كفرَها من إيمانِها، ولا فواحشَها من طيِّباتها.
والله - سبحانه وتعالى - إنما يَزِنُ الأعمالَ بميزانِ ما صَدَر عنه هذه الأعمالُ وتحرَّكت الجوارح بها، وهو الإنسانية العاقلة المميزة.