تناديهم آياتُه بكلِّ ذلك، ولكنهم عنها غافلون، بل هم موتى القلوبِ، وطال عليها الأَمَد؛ فقَسَت وتحجَّرت بما أَصَابَها من آفاتِ الجهلِ والتقليدِ، وبما ألقى فيها الشيطانُ من نجسِ الشركِ والوثنيةِ، فاشتدوا عَدْوًا في طاعة الشيطانِ وعبادةِ الطواغيتِ والأوثانِ والأولياءِ والصالحين، الذين نادتهم آياتُ القرآنِ - لو كانوا يسمعون ويعقلون: أنهم عن دعائهم غافلون بما هم فيه من نعيم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركِهم: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .
فيا للهِ للذين ارتَكَسوا في حمأةِ الكفر، وعدُّوا أنفسَهم مسلمين مؤمنين، وما هم من الإيمان ولا الإسلام في عقيدةٍ ولا عملٍ.
تناديهم هذه الآياتُ: أن ليس الهُدَى والرحمةُ والإيمانُ وصلاحُ الفردِ والأسرةِ والجماعةِ والحاكمِ والمحكومِ، إلا بما أنزل العليمُ الحكيمُ، وما جاء به مصطفاه الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم عن كلِّ ذلك مشغولون بما استَحدَثُوا من الآراءِ والأهواءِ، وما ابتَدَعوا واشتَرَعوا مما لم يأذَن به اللهُ، معتدِين على اللهِ وعلى كتابِه وعلى رسولِه، ظالمينَ لأنفسِهم أشدَّ الظلم؛ إذ وَضَعوا أنفسَهم بأيدٍ لا يعرفون طبَّها، ولا يَدْرُون شيئًا من عللِها، بل هم أنفسُهم في أشدِّ الحاجةِ إلى الطبِّ والدواءِ من الحكيم الخبير، يَقضُونَ السنينَ والأيامَ في هذه الآراءِ والأهواءِ والأقاويلِ التي ما أنزل الله بها من سلطانٍ، وفي هذه البدعِ المناقضةِ للإسلام الذي أكمل الله به النعمةَ، وارتضاه لعبادِه دينًا، ثم يضنُّون على كتابِ الله وحديثِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأقلِّ عنايةٍ، وأَدنَى فهمٍ وفقهٍ، فتفرَّقوا واختَلَفوا من بعد ما جاءهم البيِّنات، أولئك لهم عذابٌ يومَ تَبْيَضُّ وجوهٌ وتَسْوَدُّ وجوهٌ.
فيا لله للناس، كيف يبلغُ بهم عمى القلبِ إلى درجةِ أن يسمُّوا التمرُّدَ على اللهِ وعلى كتابِه ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - إسلامًا؟ ويسمُّوا هذا التفرقَ بالتقليدِ واتباعِ البدعِ إسلامًا؟