وفي هذا تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتصبير بأن العاقبة له لا محالة حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله سبحانه، ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم، وأن المكر كله لله، فقال: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ} لا اعتداد بمكر غيره، وهذا تعليل لمحذوف تقديره: فلا عبرة بمكرهم ولا تأثير له. ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون غيره، فقال: {يَعْلَمُ} سبحانه {مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من خير وشر، فيجازيها على ذلك، ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها .. كان المكر كله له؛ لأنه يأتيهم أو حيث لا يشعرون. وقال الواحدي: إن مكر الماكرين مخلوق، فلا يضر إلا بإرادته. اهـ. فإثباته لهم باعتبار الكسب، ونفيه عنهم باعتبار الخلق، فلا يَرد كيف أثبت لهم مكرًا ثم نفاه عنهم بقوله: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} ؛ وفيه تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأمان له من مكرهم. اهـ."كرخي". ومكر الله سبحانه وتعالى صفة ثابتة له تعالى نثبته ولا نعطله، لا نمثله ولا نكيفه. وقيل: مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة.
والمعنى: يعلم سبحانه وتعالى ما تكسب كل نفس، فيعصم أولياءه
ويعاقب الماكرين بهم، ليوفي كل نفس جزاء ما كسبت. وفي هذا ما لا يخفى من شديد الوعيد والتهديد للكافرين الماكرين. ثم أكد هذا التهديد بقوله: {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّار} إذا قدموا إلى ربهم يوم القيامة حين يدخل الرسول والمؤمنون الجنة، ويدخلون النار {لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} ؛ أي: لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في الدار الآخرة، وإن جهلوا ذلك من قبل؛ أي: سيعلم جنس الكافر لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا، أو الدار الآخرة، أو فيهما. وقيل: المراد بالكافر: أبو جهل.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر: {الكافر} بالإفراد والمراد به الجنس. وقرأ الباقون: {الْكُفَّارُ} بالجمع جمع تكسير، وابن مسعود شاذًا: {الكافرون} جمع سلامة. وأبي شاذًا أيضًا: {الذين كفروا} . وقرأ جناح بن حبيش: {وسيعلم الكفار} مبنيًّا للمفعول من أعلم؛ أي: وسيخبر وهي شاذة أيضًا.