وقيل: من ورائه أي: من أمامه ، قال أبو عبيد: هو من أسماء الأضداد ، لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر ، ومنه قول الشاعر:
ومن ورائك يوم أنت بالغه... لا حاضر معجز عنه ولا بادي
وقال آخر:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا
أي: أمامي ، ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79] .
أي: أمامهم ، ويقول أبي عبيدة هذا قاله قطرب.
وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا الأمر من ورائك ، أي: سوف يأتيك ، وأنا من وراء فلان ، أي: في طلبه.
وقال النحاس: من ورائه ، أي: من أمامه ، وليس من الأضداد ، ولكنه من توارى ، أي: استتر فصارت جهنم من ورائه ؛ لأنها لا ترى ، وحكى مثله ابن الأنباري.
{ويسقى مِن مَّاء صَدِيدٍ} معطوف على مقدّر جواباً عن سؤال سائل ، كأنه قيل: فماذا يكون إذن؟ قيل: يلقى فيها ويسقى ، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار ، واشتقاقه من الصدّ ، لأنه يصدّ الناظرين عن رؤيته ، وهو دم مختلط بقيح ، والصديد صفة لماء.
وقيل: عطف بيان منه {ويتجرعه} في محل جر على أنه صفة لماء ، أو في محل نصب على أنه حال.
وقيل: هو استئناف مبنيّ على سؤال.
والتجرع التحسي أي: يتحساه مرة بعد مرّة لا مرّة واحدة لمرارته وحرارته {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: يبتلعه ، يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً: إذا كان سهلاً ، والمعنى: ولا يقارب إساغته ، فكيف تكون الإساغة؟ بل يغص به فيطول عذابه بالعطش تارة ، ويشربه على هذه الحال أخرى.
وقيل: إنه يسيغه بعد شدة وإبطاء ، كقوله: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] أي: يفعلون بعد إبطاء ، كما يدلّ عليه قوله تعالى في آية أخرى {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ} [الحج: 20] {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ} أي: تأتيه أسباب الموت من كل جهة من الجهات.
أو من كل موضع من مواضع بدنه.