وذكر الواحدي ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي والبزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث رجلا مرّة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: اذهب فادعه لي، قال: فذهب إليه، فقال: يدعوك رسول الله، قال: وما الله، أمن ذهب هو، أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، وقال: وقد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ارجع إليه الثانية فادعه، فرجع إليه، فعاد عليه مثل الكلام الأول، فرجع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يكلمني، إذ بعثت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ، فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ.
المناسبة:
بعد أن خوّف الله تعالى عباده بأنه إذا أراد السوء بقوم فلا مردّ له، أتبعه بهذه الآيات المشتملة على أمور ثلاثة، فهي دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وتشبه النعم والإحسان حينا، وتشبه العذاب والقهر والنقمة حينا آخر.
التفسير والبيان:
الله تعالى هو الذي يسخر البرق: وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلال السحاب، بسبب تقارب سحابتين مختلفتين في الشحنة الكهربائية، ويريكم إياه تخويفا، فيخاف منه المسافر والمزارع الذي جمع حبوبه في البيدر (الجرين) ويحذر عواقبه كل إنسان من خطف البصر، أو مجيء السيول الجارفة، وطمعا، أي يرجو نفع المطر من كان بحاجة إليه لسقي زرعه وشجره وغسل الجو من الأتربة والرمال والدخان والميكروبات. فالناس في الظواهر العامة قسمان: إما فرح طامع بالخير بالنسبة إليه، وإما متشائم متبرم عابس لما يصيبه من شر أو ضر بالنسبة إليه.
وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ أي والله سبحانه هو الذي يوجد السحب المحملة المترعة بالماء، وهي لكثرة مائها ثقلية قريبة إلى الأرض. قال مجاهد:
السحاب الثقال: الذي فيه الماء.