أو يقول: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، ولا تمنعوا حقوقهم، (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) ، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - واللَّه أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءًا دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) و (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...) الآية. ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(85)
خص المكيال والميزان. واللَّه أعلم - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) ، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان أشياء البائع، فإنما نقص ماله.
وقوله: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ، وهو ما ذكر في موضع آخر: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) .