وقد اهتدى البشر إلى شَيِّ اللحم مِنْ صيدٍ وغيره على الحجارة المُحَمَّاة بِحَرِّ الشمس قديمًا قبل الاهتداء إلى إنضَاجِه بالنار. وجاء في سورة الذاريات: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) } . وفي هذا دليل على أنه كان مَشْوِيًّا مُعَدًّا لِمَنْ يجيء من الضُّيوف، وربما كان قد شَوِيَ عند وصولهم بلا إبْطاءٍ.
70 -فلما قرب إليهم، ووضع بين أيديهم كفوا عنه {فَلَمَّا رَأَى} إبراهيم {أَيْدِيَهُمْ} ؛ أي: أيدي الرسل {لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} ؛ أي: لا تمتد إلى الطعام الذي قَدَّم إليهم {نَكِرَهُمْ} ؛ أي: أنكر إبراهيم ذلك منهم، ووجده على غير ما يعهد من الضيوف، ولم يعرف سبب عدم تناولهم منه، وامتناعهم عنه، فالعادة قد جرت أنَّ الضيفَ إذا لم يطعم مما قدم إليه .. ظنَّ أنه لم يَجِئ بخير، وأنه يُحْدِّثَ نَفْسُه بشرٍّ، {وَأَوْجَسَ} إبراهيم؛ أي: أحس وأدرك إبراهيم {مِنْهُمْ} ؛ أي: من جهتهم {خِيفَةً} ؛ أي: خوفًا في نفسه؛ أي: أحسَّ وعلم في نفسه فزعًا وخوفًا منهم حين شعر أنهم ليسوا بشرًا، ووقع في نفسه أنهم ملائكة، وأنَّ نزولَهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه.