وبعد أن بحث إبراهيم عليه السلام عن الحق ، وأناب إليه ، يبين لنا الله سبحانه وتعالى مظهرية الإنابة في قوله تعالى:
{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خوطرنا عنها والتي أوضحت تأوه إبراهيم لله عز وجل وتأوهه رحمة بهؤلاء الذين لم يؤمنوا ، وهم قوم لوط ، وأيضاً كانت حجة إبراهيم عليه السلام في الجدال ما قاله الحق سبحانه في سورة العنكبوت:
{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً} [العنكبوت: 3132] .
وكان سؤال إبراهيم للملائكة: كيف تُهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه السلام ، وردت عليه الملائكة:
{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين} [العنكبوت: 32] .
وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين في قرية واحدة ، يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعاً .
ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية:
{يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}
وقول الملائكة:
{يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذآ} [هود: 76] .
يعني إبلاغ إبراهيم أن مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمرٌ مُنتهٍ ومحسوم ، فهم قد جاءوا لينفذوا ، لا ليهدِّدوا ؛ وأبلغوا إبراهيم:
{إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} [هود: 76] .
وإذا ما كان الأمر قد جاء من الله ، فإبراهيم عليه السلام لأنه {مُّنِيبٌ} يعلم أن أي أمر من الله تعالى لا بد أن يُنفَّذ ، فلا بد أن يَتقبَّل أمرَ الحق سبحانه:
{وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76] .