واللفظ القرآني قد يستقل برسم الصورة بجرسه , وجرس اللفظ هو إيقاعه الذي يلقيه في أذن القارئ , وصوته الذي يتلقاه بسمعه , وهذا الإيقاع أو الجرس ينتج من إيقاع كل حرف من حروف اللفظ على حدة , ثم إيقاع الحروف كلها مجتمعة في اللفظ , تأمل قوله تعالى: (( ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم (( تلاحظ أن كلمة(اثاقلتم) بكل ما تكونت به من حروف , ومن صورة ترتيب هذه الحروف ومن حركة التشديد على الحرف اللثوي (الثاء) والمد بعده ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة ثم التاء المهموسة والميم التي تنطبق عليها الشفتان ويخرج صوتها من الأنف قد استقلت برسم صورة شاخصة للمتثاقلين عن الجهاد؛ إذ يتخيل القارئ جسماً متثاقلاً يرفعه الرافعون في جهد فيسقط من أيديهم لشدة ثقله
وترتسم صورة التبطئة في جرس اللفظة من قوله: (( وإن منكم لمن لّيُبطِئنّ ) )فقد تعانق الجرس الصوتي مع سياق الدلالة , وإنك لتشعر بأن اللسان يتعثر أثناء النطق بها.
ونحس أن كلمة {أنلزمكموها} في قوله تعالى: (( فعمّيت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) )تصور جوّ الإكراه ومعناها المباشر , وتصويرها بجرسها وأدائها جوّ الإكراه هو الباعث على تخيرها على صيغة الفعل المضارع متصلاً بثلاثة ضمائر , وهذا وإن أدى إلى جهد في نطقها , فإن هذا الجهد مطلوب ليستشعر من ينطقها مدى ما يبذل من جهد في الإلزام والإكراه الذي ينكره نبي الله هود - عليه السلام -
وانتشار حرف السين المهموس في قوله تعالى: (( قل أعوذ برب الناس , ملك الناس , إله الناس , من شر الوسواس الخناس , الذي يوسوس في صدور الناس , من الجنة والناس ) )يحدث جواً من الوسوسة والهمس الخفي.