وتردد حرف الكاف في قوله تعالى: (( إنهم يكيدون كيدا , وأكيد كيدا ) )يشيع جواً من الكيد تحس به النفس من تردد هذا الصوت في هذا السياق , فالكاف حرف مهموس لا تفخيم فيه , وهو بصفته يشعر بالتدبير الخفي , ومن جهة أخرى فإن الكاف صوت يخرج من أقصى الحنك فيحتاج نطقه إلى انغلاق مجرى النفس تماماً لينفجر به الهواء دفعة واحدة , ولهذا عدّه القدماء من جهة المخرج صوتاً شديداً وعده المحدثون انفجاريا , فإذا ترددت الكاف في عدة كلمات متوالية أشعر هذا بالشدة والحدة والإمعان فيما تتناوله من معنى , فالكاف من حيث صفتها ومن حيث مخرجها دلالتان مرتبطتان أشد الارتباط بجو الكيد.
ومثله قوله تعالى: (( تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون ) )فتكرار صوت التاء وتتابعه والتاء الشديدة المفتوحة فالفاء الساكنة يعكس كله جواً من التمتمة التي تشعر بالندم والأسف والضيق , وكأنهم يحاولون إقناع أبيهم بحسرتهم عليه وحزنهم من أجله.
ويمكننا التطبيق على سورة فاطر نستكشف من خلاله أثر الصوت في تأدية المعنى المراد منها على أتم وجه:
قال تعالى: {فاطر السموات والأرض} الفطر الفتح , وهو الابتداع والخلق على غير مثال سابق, واستعمل فيها حرف الفاء؛ لأنه يحمل صفات الانفطار , فمن أهمها انفتاح الفم عند النطق به , والذلاقة وهي سرعة النطق بالحرف , والهمس وهو خفاء الحرف نتيجة جريان النفس , واستعمل حرف الطاء لقوته فكأنه يدل على قوة الأمر في ذلك , وحرف الطاء هو الحرف الوحيد الذي يملك قوة على الحروف لاشتماله على صفات القوة وعدم وجود أي صفة ضعف فيه , وهو حرف مستطيل ممتد في المخرج , والراء من أبرز صفاتها التكرار , والمعنى - والله أعلم - أن هذا الأمر من باب التحدي والإعجاز وأنه فريد من نوعه لا يمكن أن يحدث مرة أخرى؛ ولذلك كان نزول آيات خلق السموات والأرض في السور المكية أكثر منها في السور المدنية.