وقرأ ابن أبي مليكة:"فلا تسلْني"بتخفيف النون وإثبات الياء وسكون اللام دون همز. وقرأت فرقة بتخفيف النون وإسقاط الياء وبالهمز"فلا تسألن"، وقرأ أبو جعفر وشيبة بكسر النون وشدها والهمز وإثبات الياء"فلا تسألنِّي"، وقرأ نافع ذلك دون ياء"فلا تسألن"وقرأ ابن كثير وابن عامر"فلا تسألنَّ"بفتح النون المشددة ، وهي قراءة ابن عباس ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي"فلا تسلْن"خفيفة النون ساكنة اللام ، وكان أبو عمرو يثبت الياء في الوصل ، وحذفها عاصم وحمزة في الوصل والوقف. ومعنى قوله: {فلا تسألني ما ليس لك به علم} أي إذ وعدتك فاعلم يقيناً أنه لا خلف في الوعد فإذ رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أن ذلك هو بحق واجب واجب عند الله.
قال القاضي أبو محمد: ولكن نوحاً عليه السلام حملته شفقة النبوة وسجية البشر على التعرض لنفحات الرحمة والتذكير ، وعلى هذا القدر وقع عتابه ، ولذلك جاء بتلطف وترفيع في قوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} ، وقد قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {فلا تكونن} [البقرة: 147 ، الأنعام: 34 - 114 ، يونس: 94] ، وذلك هنا بحسب الأمر الذي عوتب فيه وعظمته ، فإنه لضيق صدره بتكاليف النبوة ، وإلا فمتقرر أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وأولاهم بلين المخاطبة ؛ ولكن هذا بحسب الأمرين لا بحسب النبيين. وقال قوم: إنما وقر نوح لسنة. وقال قوم: إنما حمل اللفظ على محمد صلى الله عليه وسلم كما يحمل الإنسان على المختص به الحبيب إليه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف ، ويحتمل قوله: {فلا تسألني ما ليس لك به علم} ، أي لا تطلب مني أمراً لا تعلم المصلحة فيه علم يقين ، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي ، وقال: إن {به} يجوز أن يتعلق بلفظة {علم} كما قال الشاعر: [الرجز] .