""الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي صلى الله عليه وسلم استنبئ بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر. ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك. وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت {تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة} [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة {لا تبديل لكلمات الله} لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في"الأنعام" {ذلك} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين ، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام. تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج ، قال القاضي: {لا تبديل لكلمات الله} يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله. ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: {ولا يحزنك} أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: {ألا إن أولياء الله} أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: {ولا يحزنك قولهم} أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك ، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح. ثم استأنف قوله: {إن العزة لله} كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟ فقيل: لأن العزة لله. {جميعاً} إن الغلبة والقهر له ولحزبه {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] "