وكذلك تقول: قسمت لك نفسي قسمًا من عطائي؛ أي: على وجه التفضل والابتداء بالعطاء من غير تحمل منك.
وقول سهل: فيمن عليهم أن يشغلهم بالتعبد عن نفسه؛ أي: عن طلب معرفته، ومناجاته ومواصلته كما قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: إن الله أطلع على قلوب أوليائه؛ فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا فشغلهم بالعبادة. رواه أبو نعيم.
ومن كان فاسقا في الحال وهو في علم الله تعالى ولي فهل يجوز لمن أطلعه الله تعالى على عاقبته بطريق الكشف أن يقول: إنه ولي؟
فيه احتمال، والظاهر الجواز، ولكن الأولى أن يقيد ذلك بما
سيحصل حذراً من إيهام من يخبره بذلك، وإيقاعه في الحيرة والتكذيب.
واعلم أن الإيمان بكرامات الأولياء واجب، وأنها حق، والإيمان بها إيمان بقدرة الله تعالى، وهي الخوارق التي تظهر عليهم، ويفرق بينها وبين معجزات الأنبياء عليهم السلام: بأن المعجزة تكون مع التحدي ودعوى النبوة بخلاف الكرامة، وبأن المعجزة يتعين أن يظهرها النبي، والكرامة يخفيها الولي إلا إذا كان في إظهارها فائدة وأمنت الفتنة الإظهار كما روى القشيري، وغيره عن جابر الرحبي رحمه الله تعالى قال: أكثر أهل الرحبة على الإنكار في باب كرامات الأولياء، فركبت السبع يومًا ودخلت الرحبة، وقلت: أين الذين يكذبون أولياء الله؟ قال: فكفوا بعد ذلك عني.
وروى أبو نعيم عن أبي العباس بن مسروق، وأبي محمَّد الحريري، وأبي أحمد المغازلي، وغيرهم قالوا: جاء إبراهيم الآجري يهودي يقتضيه شيئًا من ثمن قصب، فكلمه فقال له: أرني شيئًا أعرف به شرف الإِسلام وفضله على ديني حتى أسلم.
قال: فقال له: وتفعل؟
قال: نعم.
فقال له: هات رداءك.
قالوا: فأخذه، فجعله في رداء نفسه، ولف رداءه عليه، ورمى به في النار نار أتون الآجر، ودخل في أثره، وأخذ الرداء وخرج به من الباب الآخر، ففتح رداء نفسه وهو صحيح، وأخرج رداء اليهودي حراقاً أسود من جوف رداء نفسه، فأسلم اليهودي.
وبالغ بعضهم في كتم الكرامة حتى أوجبه.