وكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء - ويعني به القرآن - بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى. وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول فليفرحوا.
قال أبو علي: الجار في قوله {فَبِذَلِكَ} متعلق بـ (ليفرحوا) ؛ لأن هذا الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: {فَلْيَفْرَحُوا} زيادة كقول الشاعر:
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
والفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: {فَلْيَفْرَحُوا} كذلك، هذا الذي ذكرنا مذهب النحويين في هذه الآية.
ومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهدًا، وغيرهم، قالوا: فضل الله: الإسلام، ورحمته القرآن.
وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله، وعلى هذا: الباء في {بِفَضْلِ اللَّهِ} تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قيل: قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته.
[وقوله تعالى: {فبَذَلِك} ، قال الزجاج: هو بدل من قوله: {بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} ] .
وقال صاحب النظم: قوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} يقتضي جوابًا فلم يجئ حين قال مبتدئًا: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} ، وأكثر ما يجيء أن يكون المبتدأ مجملاً، ثم تجيء الترجمة والبيان بعد، وهاهنا جاءت الترجمة قبل، وجاء الإجمال بعد البيان؛ لأن قوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} معروف ما هما، فلو قال نسقًا عليه {فَلْيَفْرَحُوا} لكان تامًّا مفهومًا، فلما قال: (فبذلك) أجمل به ما تقدم من الترجمة؛ لأن قوله (ذلك) يحمل ما قبله قلّ أم كثر، ذكرًا كان أم أنثى، واحداً كان أم اثنين، كما قال تعالى: {لَا فَارِضٌ}