وعبر عن إعطاء الرزق بالإنزال ؛ لأن معظم أموالهم كانت الثمار والأعناب والحبوب ، وكلها من آثار المطر الذي هو نازل من السحاب بتكوين الله ، فأسند إنزاله إلى الله بهذا الاعتبار ، ومعظم أموالهم الأنعام ، وحياتها من العشب والكلأ وهي من أثر المطر ، قال تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم} [عبس: 24 ، 32] .
وقال: {وفي السماء رزقكم} [الذاريات: 22] أي سبب رزقكم وهو المطر.
وقد عُرف العرب بأنهم بنو ماء السماء.
وهو على المجاز في كلمة (بني) لأن الابن يطلق مجازاً على الملازم للشيء .
وقد عبر عن إعطاء الأنعام بالإنزال في قوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] بهذا الاعتبار.
والمجعول حراماً هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله: {وقالوا هذه أنعام وحرث حِجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حُرمت ظهورها وقوله: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومُحرَّم على أزواجنا} في سورة [الأنعام: 138 ، 139] .
ومحل الإنكار ابتداءً هو جعلهم بعض ما رزقهم الله حراماً عليهم.
وأما عطف حلالاً على {حراماً} فهو إنكار بالتبع لأنهم لما عمدوا إلى بعض ما أحل الله لهم فجعلوه حراماً ومَيَّزوه من جملة الرزق فقد جعلوا الحلال أيضاً حلالاً ، أي بجعل جديد إذ قالوا هو حلال فجعلوا أنفسهم مهيمنين على أحكام الله إذ عمدوا إلى الحلال منها فقلبوه حراماً وأبقَوا بعض الحلال على الحل ، فلولا أنهم أبقوه على الحل لما بقي عندهم حلالاً ولتعطل الانتفاع به فلذلك أنكر عليهم جعل بعض الرزق حراماً وبعضه حلالاً ، وإلا فإنهم لم يجعلوا ما كان حراماً حلالاً إذ لم يكن تحريم في الجاهلية.