فإنه مع ذلك قد أمرنا بالفطر في السفر للحج والجهاد وقال: إنكم لاقوا العدو غداً فافطروا وتقووا لعدوكم، وافطروا يوم عرفة، وأبو بكر وعمر لما فيه من التقوى على الدعاء ذلك اليوم إذ كان لفضل الدعاء يوم عرفة، واستحب الإفطار في السفر، لمن إذا صام صار كلاً على أصحابه، وجعل عمله مع الإفطار أفضل من أن يصوم، ويحتاج غيره إلى أن يعمل له، ولا شك في أن الصلاة أفضل من الصدقة، ثم قد يحدث حال يحتاج فيها إلى مواساة مضطر وإصلاح ذات بين، فتكون الصدقة أفضل من الصلاة.
ثم قدر رأى بيان ما قلنا في الأخبار.
روى عبد الله بن عمر، وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج» .
روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «حجة قبل غزوة أفضل من خمسين غزوة، وغزوة بعد حجة أفضل من خمسين حجة، ولو وقف في سبيل الله أفضل من خمسين حجة» .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن قد حج أفضل من أربعين حجة» .
فاحتمل أن يكون القصد من هذه الأخبار بيان تضعيف أجر الغزو على الحج لمن قد حج، وإن أقصاه خمسون ثم قد ينقص منها إلى أربعين وإلى ما دونها حتى تبلغ عشراً حسب موضع الجهاد في وقته، وموضع الحج في وقته، على مقدار ما يحضر يؤدي كل واحد منهما من النية والإخلاص.
ويحتمل أن يكون المعنى أن الحج أفضل من الغزو في حال كذا، بأضعاف كثيرة.
ولغزوة أفضل من الحج في حال كذا بأضعاف كثيرة.
ويعبر عن التضعيف مرة، وعن التكثير مرة بالعشر، ومرة بالأربعين ومرة بالخمسين ومرة بالمائة ومرة بما دونها أو فوقها.
ولو ذكر بعد الثلاثين أو العشرين جاز وكثر من نحو هذا، فذكر بالسبعين كما قيل: ما ضر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الأخبار، وهو سبيل أهل العلم المتبعين للآثار والله أعلم، وهو تمام كلام الإمام القفال رحمه الله.
ومما جاء من الأخبار في فضل الجهاد، ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول الله.
قال: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فهو الصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله».