وإنما قيل: ثم أي على معنى، ثم ما الذي يحل محله فيحافظ عليه، وقد قال الله عز وجل: {فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} .
ولم يكن ذلك عن تأخير الإيمان عن الإطعام، وإنما كان على أنه: أهل فك أو إطعام، وكان مع ذلك من المؤمنين الذين هم أهل الصبر وأهل المرحمة.
فكذلك هذا، والله أعلم.
قال: ويبين ما قلنا، أن فاطمة قالت: أتى رجل من الأنصار قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله! قال: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له، الله أخبرني» .
فلما قال في كل واحد منهما لا مثل له، علمنا أنه أراد التسوية بينهما في علو القدر وعظم الأجر.
قال: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الحج والجهاد، فروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان.
ثم الجهاد في سبيل الله بعد ذلك عمل حسن.
هكذا حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، وقال عمر: عليكم بالحج فإنه عمل صالح، أمر الله به والجهاد أفضل منه.
وهذان القولان قد يتفقان، فيقال: إن الحج فرض يلزم الإنسان لعينه، والجهاد يفرض على الكفاية.
فمن لم يحج حجة الإسلام وهي عليه، فالحج أفضل له من الجهاد لعينه عليه وبيانه غيره في الجهاد عنه إذا وقعت الكفاية بهم في دفع العدو دونه، وهكذا من لم يحج ولا حج عليه، إلا أنه لا حاجة بالمسلمين إليه في الغزو، أو كان ممن لا يغني عنا، أولا يسد مسداً، فالحج أفضل له، لأنه في الأصل على ما ذكرت.
وقد يكون عظيم الغنى كثير البلاء، فيكون الجهاد أفضل له، إذا كان قد حج حجة الإسلام، لعموم يقع جهاده نفسه وغيره، واختصاصه ينفع الحج، وليس في تقديم الصائم بالذكر على الجهاد أو الحج ما يوجب تفضيله عليهما في كل حال.