ومعنى هذا - والله أعلم - أن الإسلام هو الذي لا يصح شيء من الأعمال إلا به، فإذا فات لم يبق معه عمل.
فهو كالرأس الذي لا يسلم شيء من الأعضاء إلا ببقائه.
وإذا فارق الجملة لم ينتفع بعد شيء من الأعضاء.
وأما الصلاة فإنها عمود الأمر، والأمر هو الدين، لأن الإسلام لا ينفع ولا يثيب من غير الصلاة، ولا يغني قبولها عن فعلها، لأن الإسلام وحده لا يحقن الدم حتى يكون معه إقام الصلاة، ولأن العرب لم تكن تمنع وتأنف كامتناعها وأنفتها من الصلاة لما فيها من الركوع والسجود وكان منهم من يشترط إذا أسلم أن لا ينحني.
ولهذا قال أبو طالب: إني أكره أن تقول نساء قريش أن أبا طالب علته أسته.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» .
أي لم يحقق إيمانه فلذلك قيل الصلاة عمود الإيمان، وإنما قوله وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، فقد قيل معناه: أنه لا شيء من معالم الإسلام أشهر ولا أطهر منه، لأن الصلاة إنما يرثها المسلمون بعضهم من بعض، وكذلك الحج.
فأما الجهاد فإن المسلمين يجتمعون عليه مجاهدين المشركين، وينشر خبر ما يجري بينهم من الداني والقاصي.
والهجرة في هذا كالجهاد، فهي معه وفي حكمه وإذا كان كذلك فقد صار الجهاد كذروة السنام الذي لا شيء من البعير أعلى منه، وعليه يقع بصر الناظر من البعد.
وبهذا كانت العرب عند الفخر بحسب الشريف تقول: ذروت بالسنام أي أنا في ذروة الحسب وهو أعلاه، والله أعلم.
ومنها ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله» .
ومعنى هذا أن النصارى كانت تترهب بالتخلي عن أشغال الدنيا، فلا تخل أكثر من بذل النفس في سبيل الله فتقتل.
وأيضاً فإن أولئك المترهبة كانوا يزعمون أنهم إنما يخلون بالصوامع والأديرة لئلا يؤذوا أحداً، ولا أذى أشد من ترك المبطل على باطله، لأن ذلك يعرضه للنار.
فإن لم تكن الرهبانية دفع الأذى عن الناس، فالجهاد دافع عن المجاهدين، أعظم الأذى فهو الرهبانية إذا لا يتوهمه النصارى والله أعلم.
وفيه وجه آخر وهو أن مترهبة النصارى يجري على أيديهم مما هو عندهم احتساب وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ما لا يقدر على الامتناع منه أمر ولا مأمور.
فقيل: الرهبانية هي جهاد هذه الأمة، لأنه رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحابي فيه من المشركين رئيس ولا مرؤوس والله أعلم.