وهم لا يريدون إلا رضاء الله وفضله ، والنور يشع من وجوههم ؛ لأنهم أهل للقيم ، ويضيف سبحانه: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ...} [الفتح: 29]
أي: أن التوراة جاءت فيها البشارة بأن محمداً سيجيء بأمة فيها الخصال الإيمانية والقيمية التي لا توجد في اليهود ، هؤلاء الذين تغلب عليهم المادية ولا ترتقي أرواحهم بالقيم الدينية ، فأنت إن نظرت إلى التوراة المحرفة فلن تجد فيها أي شيء عن اليوم الآخر ، بل كلها أمور مادية .
أما في الإنجيل فقد جاءت المسيحية بالرهبنة ، والماديات فيها ضعيفة ؛ ولذلك جاء القرآن منهجاً متكاملاً تنتظم به الحياة ، قيماً حارسة ، ومادة محروسة ؛ فالعالم يفسد حين تأتي المادة فتطغى وتنحسر القيم ، أو حين توجد قيم ليس لها قوة مادية تدافع عنها ، فيأبى القوي الظالم إلا أن يطغى بقوته المادية على القيم الروحية فيكون الخلل في البناء الاجتماعي .
إذن: فنحن في حاجة دائمة إلى قيم تحرسها مادة ، ومادة تحرسها قيم . وأخبر الله قوم موسى: أنتم لا تملكون القيم المعنوية ، وتعتزون بالقيم المادية ، لذلك ستأتي أمة محمد وهي تملك قيم الروح والمادة ، فهم رُكَّع ، سُجَّد ، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود .
وأبلغ سبحانه قوم عيسى عليه السلام أنه سيأتي في أمة محمد بمنهج يعطيهم ما فقدتموه من المادة ؛ بسبب أنكم انعزلتم عن الحياة وابتدعتم رهبنة ما كتبها الله عليكم ، بينما نحن نريد حركة في الحياة . {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار ...} [الفتح: 29]