والسر في إجابته صلى الله عليه وآله وسلم السؤال عن ذلك مما في الحديث دفع ما يوهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك وهو غريب هناك وقد سبقه إليه السهيلي في الروض الأنف.
ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى وجزم بأنه مسجده صلى الله عليه وسلم كما تقدم من الأحاديث الصحيحة فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا من غيرهم، ولا يصلح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) .
قال الكرخي: والتحقيق إن رواية نزولها في مسجد قباء لا تعارض تنصيصه صلى الله عليه وسلم على أنه مسجد المدينة، فإنها لا تدل على اختصاص أهل قباء بذلك. انتهى.
ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده (- صلى الله عليه وسلم -) أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة.
و (من أول يوم) متعلق بأسس، أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه؛ قال بعض النحاة: أن من هاهنا بمعنى منذ، أي منذ أول يوم
ابتدئ ببنائه ووضع أساسه.
قال السهيلي نور الله مرقده: في الآية من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم وبنيت المساجد وعُبد الله كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل.
وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى (من أول يوم) أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة رضوان الله عليهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من الإشارات.