وشرح أبو علي الفارسي هذه الآية أبلغ شرح فقال: (يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانئين ويجوز أن يكون بين البناءين، فإذا عادلت بين البانئين كان المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا خير أم المؤسس بنيانه غير متق؟ لأن قوله: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ} يدل على أن بانيه غير متق لله، ولا خاش له، وإن عادلت بين البناءين قدرت حذف المضاف كأنه قيل: أبناء من أسس بنيانه متقيًا خير أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف؟ والبنيان يراد به المبني لأنه إنما يؤسس المبني، والجار من قوله: {عَلَى تَقْوَى} في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسس بنيانه متقيًا، وكذلك قوله: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ} لأ ن معناه غير متق، أو معاقبًا على بنائه) .
قال أبو عبيدة: (الشفا: هو الشفير) ، وشفا الشيء: حرفه، ومنه يقال: أشفى على كذا: إذا دنا منه، والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جانبها الذي ينحفر بالماء أصله، فيبقى واهيًا، قال شِمْر (يقال: جُرْف وأجراف وجُرْفَةٌ وهي المهواة) ، وأصله من الجرف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله، فالجرف ما جرفه السيل، ويقرأ (جُرْفٍ) و {جُرُفٍ} مخففًا ومثقلًا وهما لغتان كالشُغْل والشُغُل والعُنْق والعُنُق.
وقوله تعالى: {هَارٍ} ، قال الليث: (الهور: مصدر هار [الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد مكانه وهو جرف هار] هائر، فإذا سقط فقد إنهار وتهور)
[وقال الزجاج: (هار: هائر] وهذا من المقلوب، كما قالوا: لاث الشيء به إذا دار، فهو لاثٍ، والأصل لائث) .
قال أبو علي: (الهمزة من(هائر) منقلبة عن الواو؛ لأنهم قد قالوا: تهور الناء: إذا تساقط وتداعى، وتهور الليل: إذا مضى أكثره، وهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالباء، ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان، أحدهما: أن يُعل بالحذف كما أعل بالقلب، فيقال هار وشاك السلاح، والآخر أن يُعلّ بقلبها إلى موضح اللام فيصير في التقدير: (فالع) ، ويجوز في قوله: