وذلك ما انتزعه السهيلي في"الروض الأنف"في فصل تأسيس مسجدِ قباء إذ قال:"وفي قوله سبحانه: {من أول يوم} (وقد علم أنه ليس أولَ الأيام كلها ولا أضافَه إلى شيء في اللفظ الظاهر فيه) من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع عمر حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عَام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام وأمِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فوافق هذا ظاهر التنزيل".
وجملة: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء.
وجاء الضمير مفرداً مراعاة للفظ (مَسجد) الذي هو جنس، كالإفراد في قوله تعالى: {وتؤمنون بالكتاب كله} [آل عمران: 119] .
وفيه تعريض بأن أهل مسجد الضرار ليسوا كذلك.
وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} فقال:"يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطُهور فما طُهوركم؟ قالوا: إنَّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء."
قال: هو ذلك فعليكموه"، فهذا يعم الأنصار كلهم."
ولا يعارضه حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضاً من الأنصار، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار.
وأطلقت المحبة في قوله: {يحبون} كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئاً ممكناً يعمله لا محالة.
فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقرباً إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خُلقاً لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم.
وجملة: {والله يحب المطهرين} تذييل.
وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقاً يحبه الله تعالى.
وكفى بذلك تنويهاً بزكاء أنفسهم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 10 صـ}