وَأَمَّا سَمَاعُ الْإِجَابَةِ: فَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] أَيْ مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] أَيْ: مُسْتَجِيبُونَ لَهُ. وَهُوَ الْمُرَادُ. وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ. وَهُوَ
السَّمْعُ الَّذِي نَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا. فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] أَيْ لَجَعَلَهُمْ يَسْمَعُونَ سَمْعَ إِجَابَةٍ وَانْقِيَادٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَأَفْهَمَهُمْ. وَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الْمَعْنَى لَأَسْمَعَ قُلُوبَهُمْ. فَإِنَّ سَمَاعَ الْقَلْبِ يَتَضَمَّنُ الْفَهْمَ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَادٌ. فَلَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَفْهَمَهُمْ، وَلَجَعَلَهُمْ يَسْتَجِيبُونَ لِمَا سَمِعُوهُ وَفَهِمُوهُ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ سَمَاعَ الْإِجَابَةِ هُوَ سَمَاعُ انْقِيَادِ الْقَلْبِ، وَالرُّوحِ، وَالْجَوَارِحِ، لِمَا سَمِعَتْهُ الْأُذُنَانِ.
(فصل)
والخبال: الفساد والاضطراب فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف قال ابن عباس:"ما زادوكم إلا خبالا عجزا وجبنا"يعني يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم وتعظيمهم في صدورهم ثم قال: {وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُم} أي أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق والإفساد قال ابن عباس:"يريد ضعفوا شجاعتكم يعني بالتفريق بينهم لتفريق الكلمة فيجبنوا عن العدو"
وقال الحسن:"لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البين"
وقال الكلبي:"ساروا بينكم يبغونكم العيب"قال لبيد:
أرانا موضعين لختم عيب ... وسحر بالطعام وبالشراب
أي مسرعين ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
تبا لهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن أمرؤ باغ أكل وأوضعا
أي أسرع حتى كلت مطيته: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}
قال قتادة:"وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم"