هل كان فرعون سيصلب السحرة في داخل الجذوع أم على الجذوع؟ وإن كان أهل اللغة قد قالوا: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض . فإننا لا نرضى هذا الجواب ؛ لأننا إن رضيناه في أساليب البشر ، لا يمكن أن نقبله في أساليب كلام الله ؛ لأن هناك معنى"في"الظرفية ؛ ومعنى آخر في استخدام حرف"على". ولو قال الحق سبحانه وتعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} معناه: أن عملية الصَّلْب ستتم بقوة بحيث تدخل أجزاء من جسم المصلوب في المصلوب فيه ، أي: أن جنود فرعون كانوا سَيَدقُّون على أجساد السحرة حتى تدخل في جذوع النخل ، وتصبح هذه الأجساد وجذوع النخل وكأنها قطعو واحدة ، هذه صورة لقسوة الصلب وقوته .
لكن إذا قلنا: على جذوع النخل لكان المعنى أخفَّ ، ولكان الصَّلْب أقل قسوة ، فكأن القرآن الكريم قد استعمل ما يعطينا دقة المعنى . بحيث إذا تغيَّر حرف اختل المعنى . ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: {وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 113] .
أي: أن سرعتنا في العمل الصالح تنتهي بنا إلى المغفرة ، إذن: فنحن قبل أن نسرع إلى الصالح من الأعمال لم نكن في المغفرة ، وعندما نسارع نصل إليها .
ثم نجد قول الحق سبحانه وتعالى أيضاً: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات} [الأنبياء: 90]
ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات ؛ لأن عملهم الآن خير ، وهم سيسارعون فيه ؛ أي سيزيدونه ؛ إذن: إنْ سارعتَ إلى شيء كأنه لم يكن في بالك ، ولكنك ستسرع إليه ، ولكن سارعتَ في الخير ، فكأنك في الخير أولاً ثم تزيد في فعل الخير .