ولكن المراجعة الموضوعية للتقريرات القرآنية - المكية والمدنية - عن أهل الكتاب ، تظهر بجلاء أنه لم يتغير شيء في أصل نظرة الإسلام إلى عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدهم عليها ، وانحرافها وبطلانها ؛ وشركهم وكفرهم بدين الله الصحيح - حتى بما أنزل عليهم منه وبالنصيب الذي أوتوه من قبل - أما التعديلات فهي محصورة في طريقة التعامل معهم.. وهذه - كما قلنا مراراً - تحكمها الأحوال والأوضاع الواقعية المتجددة. أما الأصل الذي تقوم عليه - وهو حقيقة ما عليه أهل الكتاب - فهو ثابت منذ اليوم الأول في حكم الله عليهم.
ونضرب هنا بعض الأمثلة من التقريرات القرآنية عن أهل الكتاب وحقيقة ما هم عليه.
.ثم تستعرض مواقفهم الواقعية من الإسلام وأهله ، تلك المواقف التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية في التعامل معهم:
في مكة لم تكن توجد جاليات يهودية أو نصرانية ذات عدد أو وزن في المجتمع.. إنما كان هناك أفراد ، يحكي القرآن عنهم أنهم استقبلوا الدعوة الجديدة إلى الإسلام بالفرح والتصديق والقبول ؛ ودخلوا في الإسلام ، وشهدوا له ولرسوله بأنه الحق المصدق لما بين أيديهم.. ولا بد أن يكون هؤلاء ممن كان قد بقي على التوحيد من النصارى واليهود ؛ وممن كان معهم شيء من بقايا الكتب المنزلة.. وفي أمثال هؤلاء وردت مثل هذه الآيات:
{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا: آمنا به ، إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين} [القصص: 52 - 53]
{قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا ، إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ، ويقولون: سبحان ربنا ، إن كان وعد ربنا لمفعولاً. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} [الإسراء: 107 - 109] {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ، فآمن واستكبرتم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأحقاف: 10] .