{فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق} [البقرة: 197] والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة ، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة. وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد ، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك. ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي. ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة. وقيل: الضمير في قوله {فيهن} عائد إلى {اثنا عشر} والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره ، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء. قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف ، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم ، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة ، وفيما جاوز العشرة وهو جمع الكثرة تختار ضمير الوحدة. قال حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى. .. وأسيافنا يقطرن من نجدة دما