وهكذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: إنه ليس بظلام للعبيد ثلاث مرات في القرآن الكريم، والذين يحبون أن يستدركوا على كتاب الله يقولون: إنَّه جاء في القرآن أكثر من مرة أنه سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد. فهل هذا يعني أن الله - معاذ الله - ظالم؟. ونقول: لا، فسبحانه ينفي الظلم عن نفسه على إطلاقه. والإنسان حين يظلم فهو ظالم، فإذا اشتد ظلمه وتعدد، يقال:"ظلاَّم". إذن فهذه صيغة مبالغة في الظلم، مثلما تقول: فلان"آكل"وفلان"أكّال"أي كثير الأكل مبالغة في تناول الطعام. وتقول: فلان"ناجر"أي أمسك قطعة خشب بدون خبرة وصنع منها شيئاً. ولكنك إذا قلت:"نجَّار"كانت هذه صيغة مبالغة تبين إاتقانه في صنعته، كذلك"خائط"و"خيَّاط"، ونقول: فلان"جازر"أي يستطيع أن يذبح، فإذا قلت:"جزَّار"أي عمله هو أن يذبح بإتقان.
إذن"فعَّال"صيغة مبالغة في الفعل. وصيغ المبالغة لها حالتان، حالة إثبات وحالة نفي. فأنت حين تقول: فلان"أكّال"أثبت له صفة المبالغة في الأكل - أي كثرة الأكل، ومن باب أولى صفة الأكل مطلقاً، وما دمت قد أثبت له الصفة الأعلى تكون الصفة الأدنى ثابتة، فإذا قلت: إن فلاناً"خياط"أثبت له أنه يعرف الخياطة ويجيدها. وإن قلت: إنه"نجَّار"أثبت له أنه ناجر متقن للنجارة، أما من ناحية النفي فإذا قلت: إن فلاناً ليس أكَّالاً تنفي المبالغة ولكنها لا تنفي أنه يأكل، فإذا قلت: إن فلاناً ليس نجاراً نفيت عنه إتقانه للنجارة ولكنك لا تنفي عنه أنه قد يكون ناجراً، وإذا قلت: إن فلاناً ليس علاّمة فقد يكون عالماً.