وأنت عندما تثبت الأعلى تثبت الأدنى ، وعندما تنفي الأعلى لا تنفي الأدنى . وعندما تقول: إن فلاناً ليس ظلاَّماً ، تكون قد نفيت الأعلى . ولكن لا يلزم نفي الأدنى فقد يكون ظالماً فقط وليس ظلاَّما . إذن فكلمة"ليس ظّلاماً"نفت المبالغة فقط ولكنها لم تنف الظلم . وهذا ما قاله المستشرقون: إن آيات القرآن يناقض بعضها بعضاً ، ففي آية مثلاً يقول: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ} فنفي الأعلى ولا يلزم من نفي الأعلى نفي الأدنى . ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] .
فنفي الأدنى والأعلى . وهذا في رأيهم تضارب . نقول: هل إذا نفي الأعلى يلزم أن يثبت الأدنى؟ طبعاً لا ، إن نفي الأعلى لا يمنع أن يوجد الأدنى ولكنه لا يلزم بوجوده .
إذن فقول الحق سبحانه وتعالى:
نفي مبدأ الظلم ، وقوله تعالى:
{وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51] .
نفي مبدأ المبالغة ، والقرآن يكمل بعضه بعضاً ، فإذا قيل: إن الله نفى الأعلى وهذا إثبات للأدنى نقول: إن نفي الأعلى لا يلزم منه إثبات الأدنى ولا يمنع من وجود الأدنى ، فإذا جاءت آية أخرى ونفت الأدنى ، إذن فلا هو بظلاَّم ولا هو بظالم . ولا بد أن نلتفت إلى الإعجاز القرآني في الأسلوب ، فالمتكلم هو الله . نقول: هل قال الله سبحانه وتعالى: ليس بظلاَّم للعبد أم ليس بظلاَّم للعبيد؟ لقد قال الحق: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} وهي هنا صيغة مبالغة ، والمبالغة مرة تكون في قوة الحدث وإن لم يتكرر ، ومرة تكون في المبالغة في تكرار الحدث ، والإنسان حين يظلم ظلماً بيّناً مبالغاً فيه يقال عنه: إنه ظلاَّم ؛ لأنه بالغ في الظلم ، فإذا لم يبالغ في الظلم وكان ظلماً بسيطاً ولكنه شمل عدداً كبيراً من الناس يكون ظلاَّما نظراً لتعدد المظلومين .