إذن فالوجود بحلقاته الأربع ؛ جماداً ونباتاً وحيواناً وإنساناً لا ترتقي فيه حلقة إلى الأعلى منها ؛ بل تقف عند حد معين ، وتلك هي الشبهة التي أصابت بعض المفكرين في أن يظنوا أن أصل الإنسان قرد ؛ لأن المخلوقات حلقات يسلم بعضها لبعض ، وأدنى مرتبة في الأعلى لكل حلقة هي أعلى مرتبة في الأدنى وتقف في حدودها . والذي يهدم نظرية داروين من أولها هو هذا الفهم لطبيعة التطور: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49] .
أي أن كل الكائنات مخلوقة ابتداءً من الله ، ولا يوجد جنس قد نشأ من جنس آخر .
ونقدم هذا الدليل العقلي لغير المتدينين ، فنقول: لماذا لم تؤثر الظروف التي أثرت في القرد الأول ليصير إنساناً ، في بقية القرود لتكون أناساً؟
وهكذا تنهدم النظرية - نظرية داروين - من أولها لآخرها ، وعلماء الأجناس يهدمونها الآن . والحق تبارك وتعالى أخبرنا أن هذه المخلوقات التي تقع في المرتبة تحت الإنسان ، لا تستطيع أن ترتب المقدمات ، وتأخذ منها النتائج . ولا تعرف البديلات في الاختيار ، والحيوان وهو أرقى الأجناس ليس عنده بديلات ؛ إنه يتعلم مهمة واحدة وتنتهي المسألة ؛ لأنها دواب لا تعقل ، لكن الإنسان يملك القدرة على الاختيار بين البديلات . وجرب أن تعاكس قطة فإنك تجدها تهاجمك وتجرحك بمخالبها إلا إن كنت أنت مستأنسها وتعرف أنك تداعبها . أمَّا المؤمن العاقل المكلف فهو يتصرف في المواقف بشكل مختلف . فإن قام إنسان بإيذائه فقد يعاقبه بمثل ما عوقب ، وقد يعفو عنه ، وقد يكظم غيظه . {والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس} [آل عمران: 134] .
إذن فأنت أيها المؤمن عندك بديلات كثيرة ، لكن الحيوان لا يملك مثل هذه البديلات .