ولذلك ضربنا من قبل المثل: لو أنك علفت حيواناً إلى أن أكل وشبع ثم جئت إليه بعد شبعه بشيء زائد من أشهى طعام عنده ؛ تجده لا يأكله . بينما الإنسان إن شبع فقد لا يمانع أن يأكل فوق الشبع من صنف يحبه .
ومثال آخر: نرى في الريف أن الحمار حين يرى جدولاً من المياه ويكون اتساع الجدول فوق قدرته على أن يقفز عليه ليعبره ، نجد الحمار قد توقف رافضاً القفز أو المرور فوق هذا الجدول .
فهل قاس الحمار المسافة بنظره ووازنها بقدرته؟! إنه يقفز فوق الجداول التي في متناول قدرته ، لكنه يرفض ما فوق هذه القدرة ، رغم أننا نصف الحمار بالبلادة .
وهذا يبين لنا أن كل جنس يسير في ناموس تكوينه ليؤدي مهمته التي أرادها له الله . ولقائل أن يقول: كيف يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله} بينما الحيوانات كلها مسخرة؟ ونقول: إذا كنت أيها الإنسان تأخذ وظيفة الأدنى فأنت تختار أن تكون شرًا من الدابة ؛ لأن الأدنى مسخر بقانونه ويفعل الأشياء بغرائزه لا بفكره ، فكأن فكر الاختيار بين البديلات غير موجود فيه ، لكنك أيها الإنسان ميزك الله بالعقل الذي يختار بين البديلات ، فإن أوقفت عقلك عن العمل ، وسلبت قدرتك على القبول لما تسمع من وحي ألا تكون شر الدواب؟
وحين نتأمل كلمة"شر وخير"نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] .
فالخير يقابله الشر ، وحين يقابل الخير الشر ، فالإنسان يميز الخير ، لأنه نافع وحسن ، ويميز الشر ؛ لأنه ضار وقبيح .
ولكن كلمة"خير"تستعمل أحياناً استعمالاً آخر لا يقابله الشر ، بل يقال: إن هذا الأمر خير من الثاني ، رغم أن الثاني أيضاً خير ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه:
"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير".