فأما حكم الآية: فالمتحرف عن جانب إلى جانب لمكايد القتال غير منهزم، وأما المتحيز، فهو الذي ينهزم [من العدو] وينوي التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم، أو يستمد ويعود إلى القتال فهذا أيضًا مستثنى من الوعيد، وسواء كانت الفئة قريبة أو بعيدة عنه جاز له التحيز إذا نوى العود والاستعانة قلّ العدو أو كثر، روى جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين هلكت؛ فررت من الزحف، فقال عمر: أنا فئتك، وقال أيضًا: أنا فئة كل مسلم.
وأما إذا لم ينو الالتجاء إلى فئة من المسلمين، وانهزم هزيمة على الحقيقة؛ فإن كان المشركون أكثر من ضعف المسلمين لم يعص ولم يأثم, وإن كانوا ضعفهم أو أقل استحق الوعيد وعصى وأثم.
فإن قيل: إن قوله: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} يدل على أن المنهزم إذا عصى بالهزيمة بقي في النار خالدًا، قلنا: قد ذكرنا أن الآية مخصوصة بأهل بدر على قول الأكثرين، قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله لمن فر يوم بدر النار، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155] ، ثم كان يوم حنين بعد ذلك فقال: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] ، {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 27] .
وإن قلنا الآية عامة فقوله: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} لا يفيد التخليد فيكون منتهى مكثه في جهنم إلى الشفاعة والرحمة.
قال أبو إسحاق: {مُتَحَرِّفًا} منصوب على الحال، [وكذلك {أَوْ مُتَحَيِّزًا} ] قال: [ويجوز أن يكون النصب فيهما على الاستثناء، أي: إلا رجلاً متحرفًا أو متحيزًا، قال] : وأصل متحيز: متحيوز، فأدغمت الياء في الواو.