والحجة الثالثة: أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك ، وهذه الكلمة للتنزيه ، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى ، فكان قوله: {سبحانك} تنزيهاً له عن الرؤية فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات ، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات ، وذلك على الله محال.
فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة.
والحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال: {تُبْتُ إِلَيْكَ} ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين} .
واعلم أن أصحابنا قالوا: الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة الكلام في هذه الآية.
والله أعلم بالصواب.
المسألة الرابعة:
في البحث عن هذه الآية.
نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل ، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً ، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال: {رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} قال صاحب"الكشاف": ثاني مفعولي {أَرِنِى} محذوف ، أي {أَرِنِى} نفسك {أَنظُرْ إِلَيْكَ} وفي لفظ الآية سؤالات:
السؤال الأول: النظر: إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته ، وعلى التقدير الأول: يكون المعنى أرني حتى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني: يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى.
والثاني: أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد.