قال أهل التأويل: إن موسى لما قال لفرعون إني رسول من رب العالمين فقال له كذبت فعند ذلك قال له موسى (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، وأمكن أن يكون ذلك منه على غير تكذيب القول من فرعون ولكنه قال ذلك؛ لما أنه حقيق على كل أحد أكرمه اللَّه بالرسالة واختاره لها ألا يقول على اللَّه إلا الحق، أو أن يقول: إني رسول من ربّ العالمين حقيق على بعد ما أكرمني بالرسالة أن لا أقول على اللَّه إلا الحق.
وقوله: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) : قد ذكرنا ألا يصح الابتداء بهذا إلا بعد أن يسبق من فرعون كلام خرج ذلك الكلام من موسى جوابًا لما كان منه، وهو ما قال أهل التأويل: أنه قال له: لما قال: إني رسول من رب العالمين إليك -: كذبت؛ لم يرسلك إلينا، وكلامًا نحو هذا؛ فعند ذلك قال: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي ما كان ينبغي لي أن أقول على اللَّه الكذب وهو كما، قال عيسى: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) ، لما قال له: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كان ذلك القول من عيسى بعد ما ادعى قومه على عيسى أنه قال لهم ذلك، وكذلك قول الملائكة: (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ) ، بعد ما قال لهم: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) ، فعند ذلك قالوا: (سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ) ، خرج ذلك القول منهم جواب ما تقدم، فعلى ذلك قول موسى: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، خرج على تقدم قول كان منهم، والله أعلم.