هذا الخطاب في الظاهر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكان المراد بالخطاب غيره، أمر كلًّا بالنظر في عاقبة المفسدين لما حل بهم بفسادهم؛ لأن من نظر في عاقبة ما حل بغيره بمعصية أو فساد يمتنع عن مثله، وأمكن أن يكون الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لوجهين:
أحدهما: لما له بما حل بهم بعض التسلي لأذاهم إياه؛ لأن من توسم حلول الهلاك على عدوه في العاقبة صبر على أذاه، ويكون له بعض التسلي في ذلك والثاني يذكرهم وينبئهم بما يحل بهم في العاقبة؛ ليمتنعوا عما ارتكبوا من المعاصي؛ لأن ذلك أزجر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(104)
فَإِنْ قِيلَ: كيف قال إني رسول اللَّه وذلك يخرج في الظاهر مخرج الامتداح والتزكية، وقد نهينا عن ذلك؛ لأنه أخبر أنه بمحل الذي توضع الرسالة فيه، وأنه أهلٌ لها؟
قيل: ليس فيه امتداح نفسه ولا تزكية له؛ لأنه إنما يذكر منة اللَّه تعالى أنه جعله بحيث توضع فيه الرسالة، وجعله أهلًا لها والتزكية والامتداح إنما يقع فيما هو فعله حقيقة لا فعل اللَّه، أو إن كان تزكية وامتداحًا فهو أمر بذلك، فجاز ذلك بالأمر.
أو أراد بذلك تعريفه؛ لما كان من عادة الملوك أنهم إذا بعث بعضهم إلى بعض رسولًا فإنهم لا يستقبلون الرسل بالمكروه والشر، بل يعظمون الرسل ويكرمونهم، وإن كان بينهم معاداة، فذكر أنه رسول من ربِّ العالمين؛ لئلا يستقبل بالمكروه.
وقوله: (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قيل: العالم: هو جوهر الكل، وهو قول الفلاسفة.
وقال أبو بكر الأصم: رب العالمين، أي: مليك الخلائق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ...(105)